حكاية الكتابة

متى يكتب الكاتب؟

*حسن مدن

إيزابيل الليندي، إن لم تخن الذاكرة، هي من قالت، مرةً، إنها عندما تشرع في كتابة رواية جديدة ولكي تضع رجليها على عتبة الكتابة تفضل أن تنطلق من حكاية أو سمات شخص تعرفه، ولا يعني ذلك أن الرواية ستصبح على مقاس هذه الشخصية بالضرورة، فقد تتشكل بصورة مختلفة كلياً عن تلك التي انطلقت منها.
لكن للروائي الياباني هاروكي موراكاي رأياً آخر، حيث قال في حوار معه إنه عندما يصنع شخصيات رواياته يفضل ألا يلاحظ الأشخاص الواقعيين في حياته، لا يحب الحديث معهم، ويفضل سماع قصص الآخرين ممن لا يعرفهم، وليست غايته معرفة أي نوع من الأشخاص سيكونون، إنه فقط يحاول أن يفكر فيما يشعرون به.
ويعتقد أنه يدرك دوافع الشخصية التي يختارها، رجلاً كان أو امرأة. بالنسبة له، فإن شخصياته واقعية أكثر من الواقع نفسه، لأنه في فترة اعتكافه على كتابة رواية جديدة، وهي تستغرق عادة عدة شهور أوحتى سنة، يعيش مع هذه الشخصيات، ويكاد يشعر بأنها هي أيضاً تعيش معه، أي إنها تصبح شخصيات واقعية.
حين يبدأ موراكامي في كتابة رواية جديدة يستيقظ عند الساعة الرابعة صباح كل يوم، ويعمل لخمس أو ست ساعات متواصلة، وبعد الظهر يمارس الرياضة، السباحة خاصة. بعد ذلك يقرأ قليلاً أو يسمع الموسيقى، ويحاول أن يخلد إلى النوم عند الساعة التاسعة ليلاً، كي يحافظ على روتينه اليومي هذا بصرامة «ودون انحراف» حسب قوله.
هذا التكرار هو بالنسبة له نوع من «التنويم المغناطيسي»، ويحقق له حالاً من العمق الذهني، ويتطلب الحفاظ على هذا التكرار لمدة كافية هي فترة انهماكه في إنجاز عمل جديد وجرعة قوية من الطاقة الذهنية والجسدية، وبهذا المعنى فكتابة رواية طويلة شبيهة بتمارين للبقاء على قيد الحياة.
ما من قاعدة ملزمة هنا. الكتّاب لا يتشابهون في طقوس الكتابة. ولكثرة ما كتب وقيل عن استمرار نجيب محفوظ في الوظيفة الحكومية طويلاً، وكذلك شغفه بريادة المقاهي يخطر في بالنا السؤال: متى كان يكتب؟ قرأت ما يفيد أن محفوظ كان يتناول الغداء بعد عودته من الوظيفة، ثم يخلد إلى النوم، وبعد ذاك ينصرف إلى القراءة والكتابة لبضع ساعات، ليخلد إلى النوم ثانية قبل منتصف الليل حتى الصباح، وبعد المعاش تغيرت مواعيد الكتابة عنده، حيث أصبح يبدأها عند العاشرة صباحاً حتى الواحدة بعد الظهر.
ثمة معلومة أوردها موقع «مصراوي» بقلم محمد مهدي، هي أن محفوظ بعد الانتهاء من أي رواية يقوم على الفور بإعدام أوراق كل مسوداتها، محتفظاً بالنسخة النهائية فقط.
________
*د.حسن مدن: كاتب بحريني.
نشرت المادة في صحيفة الخليج.

مقالات ذات صلة

شارك النقاش

زر الذهاب إلى الأعلى